محمد بن جرير الطبري

123

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : قال ابن زيد في قوله : وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ قال : سلم مما يكره . وأما أهل العربية ، فإنهم اختلفوا في ذلك ، فقال بعض نحويي البصرة وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أي فيقال سلم لك . وقال بعض نحويي الكوفة : قوله : فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أي فذلك مسلم لك أنك من أصحاب اليمين ، وألقيت " أن " ونوى معناها ، كما تقول : أنت مصدق مسافر عن قليل ، إذا كان قد قال : إني مسافر عن قليل ، وكذلك يجب معناه أنك مسافر عن قليل ، ومصدق عن قليل . قال : وقوله : فَسَلامٌ لَكَ معناه : فسلم لك أنت من أصحاب اليمين . قال : وقد يكون كالدعاء له ، كقوله : فسقيا لك من الرجال . قال : وإن رفعت السلام فهو دعاء ، والله أعلم بصوابه . وقال آخر منهم قوله : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فإنه جمع بين جوابين ، ليعلم أن أما جزاء . قال : وأما قوله : فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ . . . قال : وهذا أصل الكلمة مسلم لك هذا ، ثم حذفت " أن " وأقيم " من " مقامها . قال : وقد قيل : فسلام لك أنت من أصحاب اليمين ، فهو على ذاك : أي سلام لك ، قال : أنت من أصحاب اليمين ، وهذا كله على كلامين . قال : وقد قيل مسلم : أي كما تقول : فسلام لك من القوم ، كما تقول : فسقيا لك من القوم ، فتكون كلمة واحدة . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : معناه : فسلام لك إنك من أصحاب اليمين ، ثم حذفت واجتزئ بدلالة من عليها منها ، فسلمت من عذاب الله ، ومما تكره ، لأنك من أصحاب اليمين . وقوله : وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ يقول تعالى : وأما إن كان الميت من المكذبين بآيات الله ، الجائرين عن سبيله ، فله نزل من حميم قد أغلي حتى انتهى حره ، فهو شرابه . وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ يقول : وحريق النار يحرق بها ؛ والتصلية : التفعلة من صلاة الله النار فهو يصليه تصلية ، وذلك إذا أحرقه بها . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يقول تعالى ذكره : إن هذا الذي أخبرتكم به أيها الناس من الخبر عن المقربين وأصحاب اليمين ، وعن المكذبين الضالين ، وما إليه صائرة أمورهم لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ يقول : لهو الحق من الخبر اليقين لا شك فيه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ قال : الخبر اليقين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ حتى ختم ، إن الله تعالى ليس تاركا أحدا من خلقه حتى يوقفه على اليقين من هذا القران . فأما المؤمن فأيقن في الدنيا ، فنفعه ذلك يوم القيام . وأما الكافر ، فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه . واختلف أهل العربية في وجه إضافة الحق إلى اليقين ، والحق يقين ، فقال بعض نحويي البصرة ، قال : حق اليقين ، فأضاف الحق إلى اليقين ، كما قال : ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي ذلك دين الملة القيمة ، وذلك حق الأمر اليقين . قال : وأما هذا رجل السوء ، فلا يكون فيه هذا الرجل السوء ، كما يكون في الحق اليقىن ، لأن السوء ليس بالرجل ، واليقين هو الحق . وقال بعض أهل الكوفة : اليقين نعت للحق ، كأنه قال : الحق اليقين ، والدين القيم ، فقد جاء مثله في كثير من الكلام والقرآن وَلَدارُ الْآخِرَةِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ قال : فإذا أضيف توهم به غير الأول . وقوله : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يقول تعالى ذكره : فسبح بتسمية ربك العظيم بأسمائه الحسنى .